الآلوسي
208
تفسير الآلوسي
الخلط إذ هو لا يجامع الإيمان للضدية وإنما يجامع المعاصي ، والحديث خبر واحد فلا يعمل به في مقابلة الدليل القطعي ، والقول بأن الفسق أيضاً لا يجامع الإيمان عندهم أيضاً فلا يتم لهم الاستدلال لكونه اسماً لفعل الطاعات واجتناب السيئات حتى أن الفاسق ليس بمؤمن كما أنه ليس بكافر مدفوع - كما قيل - بأنه كثيراً ما يطلق الإيمان على نفس التصديق بل لا يكاد يفهم منه بلفظ الفعل غير هذا حتى أنه يعطف عليه عمل الصالحات كما جاء في غير ما آية . وأجيب بأنه أريد بالإيمان تصديق القلب وهو قد يجامع الشرك كأن يصدق بوجود الصانع دون وحدانيته كما أشرنا إليه آنفاً ، ومن ذلك قوله تعالى : * ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) * ( يوسف : 106 ) . وكذا إذا أريد به مطلق التصديق سواء كان باللسان أو غيره بل المجامعة على هذا أظهر كما في المنافق ولو أريد به التصديق بجميع ما يجب التصديق به بحيث يخرج عن الكفر يقال : إنه لا يلزم من لبس الإيمان بالشرك الجمع بينهما بحيث يصدق عليه أنه مؤمن ومشرك بل تغطيته بالكفر وجعله مغلوباً مضمحلاً أو اتصافه بالإيمان ثم الكفر ثم الإيمان ثم الكفر مراراً ، وبعد تسليم جميع ما ذكر نقول : إن قوله تعالى : * ( أُولَئكَ لَهُمُ الأَمْنُ ) * إنما يدل على اختصاص الأمن بغير العصاة وهو لا يوجب كون العصاة معذبين البتة بل خائفين ذلك موقعين للاحتمال ورجحان جانب الوقوع . وقيل المراد من الأمن الأمن من خلود العذاب لا الأمن من العذاب مطلقاً ، والموصول مبتدأ واسم الإشارة مبتدأ ثان والإشارة إلى الموصول من حيث اتصافه بما في حيز الصلة وفي الإشارة إليه بما فيه معنى البعد بعد وصفه بما ذكر ما لا يخفى ، وجملة * ( لهم الأمن ) * من الخبر المقدم والمبتدأ المؤخر خبر المبتدأ الثاني والجملة خبر الأول ، وجوز أن يكون * ( أولئك ) * بدلاً من الموصول أو عطف بيان له و * ( لهم ) * هو الخبر و * ( الأمن ) * فاعلاً للظرف لاعتماده على المبتدأ ، وأن يكون * ( لهم ) * خبراً مقدماً و * ( الأمن ) * مبتدأ مؤخراً والجملة خبر الموصول ، وجوز أبو البقاء كون الموصول خبر مبتدأ محذوف وقال : التقدير هم الذين ولا يخلو عن بعد والأكثرون على الأول * ( وَهُمْ مُّهْتَدُونَ ) * إلى الحق ومن عداهم في ضلال مبين ، وقدر بعضهم إلى طريق توجب الأمن من خلود العذاب . * ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) * . * ( وَتِلْكَ ) * إشارة إلى ما احتج به إبراهيم عليه السلام من قوله سبحانه : * ( فلما جن عليه الليل ) * ( الأنعام : 76 ) الخ ، وقيل : من قوله سبحانه : * ( أتحاجّونّي ) * - إلى - * ( وهم مهتدون ) * ( الأنعام : 80 - 82 ) وتركيب حجة اصطلاحية منه يحتاج إلى تأمل وما في اسم الإشارة من معنى البعد لتفخيم شأن المشار إليه ، وهو مبتدأ وقوله عز شأنه : * ( حُجَّتُنَا ) * خبره ، وفي إضافته إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى ، وقوله تعالى : * ( آتَيْنَاهَا إبْرَاهيمَ ) * أي أرشدناه إليها أو علمناه إياها في موضع الحال من حجة والعامل فيه معنى الإشارة أو في محل الرفع على أنه خبر ثان أو هو الخبر و * ( حجتنا ) * بدل أو بيان للمبتدأ ، وجوز أن تكون جملة * ( آتينا ) * الخ معترضة أو تفسيرية ولا يخفى بعده ، و * ( إبراهيم ) * مفعول أول لآتينا قدم على الثاني لكونه ضميراً . وقوله سبحانه : * ( عَلَى قَوْمه ) * متعلق بحجتنا أن جعل خبراً لتلك أو بمحذوف إن جعل بدلاً لئلا يلزم الفصل بين أجزاء البدل بأجنبي أي آتيناها إبراهيم حجة على قومه ، ولم يجوز أبو البقاء تعلقه بحجتنا أصلاً للمصدرية والفصل ، ولعل المجوز لا يرى المصدرية مانعة عن تعلق الظرف ويجعل الفصل مغتفراً ، وقيل : يصح